المقداد السيوري

12

الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية

2 - لحوقه بهولاكو : كان الغزو المغوليّ الثاني بقيادة هولاكو أشدّ ضراوة من الغزو الأوّل ، والقلاع الإسماعيليّة التي قاومت زحف جنكيز لم تستطع أن تثبت أمام هولاكو ، واستسلم ركن الدين خورشاه بإيماء الطوسيّ . وبذلك انقرضت دولة الإسماعيليّين في إيران ، وأمسى الخواجة في قبضة هولاكو ، ولم يملك لنفسه الخيار في صحبته ، فانتهز الفرصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التراث الإسلاميّ المهدّد بالزوال ، وإنقاذ جمع كثير من العلماء من القتل بيد المغول . وعلى هذا المقصد العظيم أثّر الخواجة تأثيره في هولاكو وصار من أمنائه حتّى فوّض إليه أمر الأوقاف ، فقام بضبطها وجعلها تحت رعايته الخاصّة ، وولى عليها في كلّ بلد رجلا ذا كفاية ، وأوفى معيشة الفقهاء والمدرّسين والمحتاجين ، وبنى مرصدا عظيما بمراغة ، وجمع حوله من العلماء أفضل أهل زمانهم ، منهم مؤيّد الدين بن برمك بن مبارك العرضي الدمشقيّ ، ونجم الدين عليّ بن عمر بن عليّ القزوينيّ المعروف ب « الكاتبيّ » ، وفخر الدين المراغيّ ، وفخر الدين الأخلاطيّ ، وكتب نتيجة الإرصادات في كتاب عظيم معروف ب « زيج إيلخاني » . كان مرجعا للمنجّمين في تأسيس المراصد وتدوين الزيجات . واتّخذ في المرصد خزانة عظيمة فسيحة وملأها من الكتب المجموعة من شتّى البلاد الإسلاميّة ، حتى جمعت فيها أكثر من أربع مائة ألف مجلّد ، وجعل تلميذه المؤرّخ ابن الفوطيّ خازنا للمكتبة . وبعد استسلام الإسماعيليّين أمام هولاكو كان الخواجة صحبه حتى احتلّ بغداد واستأصل المستعصم ، آخر الخلفاء العباسيّين . وبذلك انقرضت دولة بني العبّاس سنة ستّ وخمسين وستّمائة . ومن المفيد هنا الإشارة إلى تأثير اتّصاله بهولاكو بما يلي : الف - إنقاذ الكتب وآثار الثقافة الإسلاميّة من الدمار . وقد عرفت أنّه أسّس مكتبة جنب مرصد مراغة تحوي على أربعمائة ألف كتاب . ب - إنقاذ جمع كثير من علماء الدين - وخصوصا علماء الشيعة - من القتل . ج - بناء مرصد مراغة الذي هو من أهمّ ما تركه علماء المسلمين في هذا المجال . د - تأثيره في ملوك المغول حتى أصبح خلفاء جنكيز وهولاكو من المسلمين .